هذه هي
القديسة تريزيا الطفل يسوع
الراهبة الكرملية الشابة. ابنة الملفانة القديسة تريزيا
الكبيرة، والقديس يوحنا الصليبي. وُلِدَت ماري فرانسواز تريز في ألنسُون، في فرنسا، في
الثاني من كانون الأول، سنة ألفٍ وثمان مئة وثلاثٍ وسبعين. من والدين فاضلين
تقيِّين: لويس مارتين وزيلي غيرين. وكانت التاسعة من باقة الزنابق البيض على حدّ
قولها: توفي الأربعة في سن الطفولة، والخمس الباقيات كرّسن نفوسهنَّ لله في الحياة
الرهبانية. ما بلغ عمرها العام الثالث حتى أنعمها الله بنعمة خاصة، ففاض على ذهنها،
من قوَّة الإدراك والتمييز، ما كان يذهل السامعين. ومن حينها أخذت على نفسها أن تحبّ
الطفل يسوع حتى الموت. وجعلت هدفها التضحية بالنفس والزُّهد في الدنيا. وكانت
أمُّها الفاضلة السَّند الأكبر لها في الاستمساك بعُرى الفضائل. بيْد أن الطفل يسوع
قد شاء أن يستأثر بتنشيء عروسه، فدعا أمها إلى الحياة الأبدية. وكانت الصغيرة في
الخامسة من عمرها. فعانت من الحزن ما يعجز الوصف. إلاّ أن حُبَّها للطفل يسوع
حبيبها كان لها المعزّي الأكبر.
ثم
أخذت تترعرع في ظلِّ بولين شقيقتها البكر. فكانت لها بمثابة أمٍّ ثانية تعنى
بتربيتها، وبعد بضعة أيام تركت بولين المنزل الأبوي ودخلت دير الكرمل، فعاود الحزن
المرير تريزيا، واعتراها منه مرضٌ شديد أعيا أمهر الأطباء. فاستغاثت بالبتول مريم
تسألها أن تحنو عليها، فظهرت لها والدة الله، إلى جانب فراشها، وابتسمت لها ابتسامةً
كانت لها أنجع دواء. ومع نموِّها في السن، كان شوقها ينمو إلى الاتحاد بيسوع، وقد
سلب جماله قلبها. وما كان أشدَّ فرحها يوم أذن لها في المناولة الأولى، إذ قبلت
يسوع حبيبها في مخدع نفسها. فأخذت تزداد فضيلةً وتقوى، فوطَّدت النفس على الانخراط
في الرهبانية الكرملية. وكانت في عامها الرابع عشر.فكاشفت رئيسة الدير برغبتها،
فرفضت قبولها بين الطالبات، بحجّة أنها لم تبلغ السنَّ المطلوبة للترهُّب. فحزنت
تريزيا حزناً شديداً، لدى تأملها في طول مدة الانتظار. لجأت إلى والدها فوعدها
بتذليل كل صعوبة. ولم يلبث أن ذهب وإيَّاها إلى مطران الأبرشية، يرجو منه أن يمهد
السبيل لابنته، إتماماً لرسالتها. غير أنَّ نحافة جسم تريزيا وقصر قامتها حالا دون
مرادها. ولكن في ذلك اليوم عينه، اتَّفق أن احتفل بيوبيل البابا لاون الثالث عشر،
فانضمّت وفود الفرنسيين لزيارته في روما. وكان بين الوفود وفد ألنسُون، حيث ركعت تريزيا
على قدمي الحبر الأعظم، وخاطبته بدالةٍ وثقة: حنانك أيها الأب الأقدس! لي نعمة
ألتمسها من قداستك بمناسبة يوبيلك الميمون: أن تأذن لي فأنخرط في الرهبانية
الكرملية، قبل أن أنجز عامي الخامس عشر. فقال لها: انتظري، يا ابنتي، ما يقرُّ
الرؤساء في شأنك. فارتمت على قدميه ثانية تلحُّ على طلبها الأول. أجابها: اذهبي، يا
ابنتي، إنك ستترهَّبين. وما إن عادت من روما لبضعة أيام خلت، حتى أمر مطران
الأبرشية بقبول تريزيا في دير الكرمل كطالبة. فامتلأ قلبها فرحاً. وفي التاسع من
نيسان، سنة ألف وثمانٍ وثمانين، قاد الوالد الشيخ ابنته الحلوة إلى جبل الكرمل في
ليزيو، مردداً في أعماق سره وإيمانه شكره لله على نعمته الفياضة. فانضمَّت تريزيا
إلى المبتدئات، وكانت لهنَّ مثالاً جذَّاباً. ثم اتشحت بالثوب الرهباني، وأخذت
تبالغ في حفظ القوانين، وممارسة ضروب التقشُّف، فأنهكت قواها. وانتابها مرض عضال
أودى أخيرا بحياتها. كم تاقت نفسها إلى خدمة النفوس، فوقفت حياتها وصلاتها وتقشفاتها
وآلامها، لإسعاف الكهنة والمرسلين. فاضت روحها الطاهرة، وطارت إلى عروسها الإلهيّ،
في الثلاثين من أيلول سنة ألفٍ وثمانِ مئةٍ وسبعٍ وتسعين، ولها من العمر أربعٌ
وعشرون سنة. ((قد بلِّغَتِ الكمال في أيَّامٍ قليلة، فكانت مستوفيةً سنين كثيرة)).
منذ يومِ وفاتها السَّعيدة، قامت بإنجاز وعدها، أن تَمطرَ الأرضَ بالورود. فشفت
كثيراً من المرضى، وقد أشرفوا على الموت. وفرّحت كرْبَةَ الكثيرين... فرفعها البابا
بيوس الحادي عشر على المذابح، ونظمها في صفوف القدِّيسات العظيمات، في السابع عشر
من أيار، سنة ألفٍ وتسعِ مئة وخمسٍ وعشرين، ثم أعلنها شفيعة المرسلين، في الرابع
عشر من كانون الثاني، سنة ١٩٢٧. فتسابق المؤمنون إلى الاحتفال بعيدها في أقطار
الأرض غرباً وشرقاً. أنعمنا الله بشفاعتها. آمين.

|